ابن العربي
946
أحكام القرآن
وأما من قال : إنه الأعمال فتصوّر فيها الزيادة والنقصان . وقد سئل مالك : هل يزيد الإيمان وينقص ؟ فقال : يزيد ، ولم يقل ينقص . وأطلق غيره الزيادة والنقص عليه . وتحقيق القول في ذلك أنّ العلم يزيد وينقص ، وكذلك القول ، وكذلك العمل ، والكل بأج « 1 » واحد وحقيقة واحدة ، لا يختلف في ذلك ولا يخرج واحد منها عنه ، وإن كانت كلها أعراضا كما بينا ؛ وذلك لأنّ الشيء لا يزيد بذاته « 2 » ولا ينقص بها ، وإنما له وجود أول ، فلذلك ، الوجود أصل ، ثم إذا انضاف إليه وجود مثله وأمثاله كان ذلك زيادة فيه ، وإن عدمت تلك الزيادة فهو النقص ، وإن عدم الوجود الأول الذي يتركّب عليه المثل لم يكن زيادة ولا نقصان ؛ وقدّر ذلك في العلم أو في الحركة ، فإنّ اللّه سبحانه إذا خلق علما فردا ، وخلق معه مثله أو أمثاله بمعلومات مقدرة فقد زاد علمه ، فإن أعدم اللّه الأمثال فقد نقص ؛ أي زالت الزيادة . وكذلك لو خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها ، فإذا خلق اللّه للعبد العلم به من وجه وخلق له التصديق به بالقول النفسي ، أو الظاهر ، وخلق له الهدى للعمل به [ وليس العمل ] « 3 » ، ثم خلق له مثل ذلك وأمثاله فقد زاد إيمانه . وبهذا المعنى على أحد الأقوال فضّل الأنبياء [ على ] « 4 » الخلق ، فإنهم علموه تعالى من وجوه أكثر من الوجوه التي علمه الخلق بها ، فمن عذيري ممن يقول : إن الأعمال تزيد وتنقص ولا تزيد المعرفة ولا تنقص ؛ لأنها عرض ، ولا يعلم أن الأعمال أعراض ، والحالة فيهما واحدة ؛ وقد صرح اللّه بالزيادة في الإيمان في مواضع من كتابه ، فقال « 5 » : وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً . « 6 » وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً . وقال « 7 » : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً .
--> ( 1 ) بأج واحد : لون واحد . ( 2 ) في ل : بزيادته . ( 3 ) ليس في ل . ( 4 ) من ل . ( 5 ) سورة المدثر ، آية 31 . ( 6 ) سورة مريم ، آية 76 . ( 7 ) سورة التوبة ، آية 124